لا وطن ينهض بالتبعية: في الدفاع عن الهوية الوطنية العراقية
لا ينهض وطنٌ ما لم ينهض المواطن، ولا ينهض المواطن ما لم يؤمن بأن وطنه هو مرجعيته العليا، وأن الدولة التي ينتمي إليها ليست مجرد بقعة جغرافية،
لا ينهض وطنٌ ما لم ينهض المواطن، ولا ينهض المواطن ما لم يؤمن بأن وطنه هو مرجعيته العليا، وأن الدولة التي ينتمي إليها ليست مجرد بقعة جغرافية، بل إطارٌ جامعٌ لهويته وحقوقه وكرامته ومستقبل أبنائه… ؛ وكذلك لا ينهض المواطن إذا استسلم للجهل، أو أغرق نفسه في الفساد، أو جعل ولاءه للخارج فوق ولائه لوطنه… ؛ فالدول لا تُبنى بالإسمنت وحده، ولا بالجيوش وحدها، ولا بالثروات وحدها، وإنما تُبنى أولًا بالإنسان الذي يدرك أن الدفاع عن وطنه دفاعٌ عن نفسه، وأن سقوط الدولة هو سقوطٌ للجميع.
ولذلك فإن أخطر ما يواجه الأمم ليس دائمًا الغزو الخارجي، بل انهيار مناعة المجتمع من الداخل… , فحين يفقد المواطن ثقته بوطنه، أو يقدم الولاءات الخارجية على المصلحة الوطنية، أو يستهين بسيادة دولته، يصبح المجتمع أكثر قابلية للاختراق، وتتحول الدولة إلى ساحة مفتوحة تتنازعها الإرادات الأجنبية والمصالح المتعارضة.
لقد أثبت التاريخ أن القوى الخارجية لم تكن قادرة على فرض نفوذها في أي بلد إلا عندما تجد في الداخل من يمنحها الشرعية أو يسهل لها الطريق… ؛ ولهذا فإن التبعية السياسية، والارتهان للخارج، والفساد، والخيانة، ليست مجرد أخطاء سياسية، بل هي عوامل تقوض الدولة من أساسها، لأنها تنقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج، وتجعل مصلحة الوطن تابعة لمصالح الآخرين.
إن الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا قصيدة تُلقى في الاحتفالات، وإنما هي سلوك يومي، يبدأ باحترام القانون، وينتهي بالدفاع عن سيادة الدولة وثرواتها وحدودها ومؤسساتها… ؛ فالمواطن الوطني هو الذي يختلف مع حكومته إذا أخطأت، لكنه لا يختلف مع وطنه، وينتقد السلطة، لكنه لا يساوم على سيادة بلده، ويعارض السياسات، لكنه لا يجعل من العراق مجرد ورقة في صراعات الآخرين.
ومن هنا يجب التمييز بين معارضة السلطة ومعاداة الدولة… ؛ فالسلطات تتغير، أما الوطن فيبقى… ؛ والحكومات تذهب وتأتي، أما العراق فهو التاريخ والجغرافيا والناس والحضارة… , لذلك فإن تحويل الخلاف السياسي إلى استخفاف بالدولة أو تشكيك بشرعيتها أو الدعوة إلى إضعافها لا يخدم الإصلاح، بل يفتح الأبواب أمام مزيد من الانقسام والتدخل الخارجي.
إن بعض الخطابات السياسية والإعلامية لا تكتفي بانتقاد الأداء الحكومي، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل من قيمة الدولة العراقية، أو تصوير حدودها وسيادتها وكأنها أمر ثانوي، أو تبرير الارتهان لقوى خارجية بذرائع أيديولوجية أو دينية أو قومية… ؛ وهذه النزعة، مهما اختلفت شعاراتها، تشترك في نتيجة واحدة: إضعاف مفهوم الدولة والهوية الوطنية.